محمود بن حمزة الكرماني
59
البرهان في متشابه القرآن
فيها دون الآية المناظرة لها من حيث الزيادة أو الحذف أو التقديم أو التأخير أو إبدال حرف بحرف أو كلمة بكلمة ، مثبتا أن ما في هذه الآية لا يصلح أن يكون في الأخرى مع ذكر الأسباب التي اقتضت ذلك سواء ما رجع منها إلى النظم أو إلى المعنى أو إلى القراءات أو اللغة أو إلى أي سبب آخر غيرها . ومن أنواع المتشابه الذي تناولها في مصنفه وقد عدها في مقدمة الكتاب : * التكرار اللفظي : وهو في الحقيقة ليس بتكرار . * التقديم والتأخير : مثال ذلك « 1 » قوله تعالى : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ الأعراف من الآية : 188 . وفي سورة يونس : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من الآية : 49 . ثم يحاول وضع قاعدة عامة في ترتيب لفظي النفع والضر في حالة اجتماعهما في آية ، ثم يذكر الحالات الخاصة التي تستوجب تقديم ذكر الضر على النفع . الزيادة والحذف : وفي سورة الأنبياء - في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام - قال تعالى : إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ . قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ الآيتان : 52 ، 53 . وفي سورة الشعراء - في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام - قال تعالى : إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ . قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ . قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ الآيات : 70 - 74 . قال الكرماني « 2 » : « قوله تعالى في هذه السورة - يعنى سورة الأنبياء - : ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ . قالُوا وَجَدْنا آباءَنا وفي الشعراء قالُوا بَلْ وَجَدْنا بزيادة بَلْ : لأن قوله : وَجَدْنا آباءَنا جواب لقوله : ما هذِهِ التَّماثِيلُ . وفي الشعراء قد أجابوا عن قوله : ما تَعْبُدُونَ بقولهم : قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً . ثم قال لهم : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ : فأتى بصورة الاستفهام ومعناه النفي قالُوا بَلْ وَجَدْنا : أي قالُوا « لا » بَلْ وَجَدْنا آباءَنا ؛ لأن السؤال في الآية يقتضى في جوابهم أن ينفوا ما نفاه السائل . فأضربوا عنه إضراب من ينفى الأول ويثبت الثاني ، فقالوا : بَلْ وَجَدْنا : فخصت السورة به .
--> ( 1 ) البرهان : النسخ الأصلية وجه 7 / أ . ( 2 ) النسخة الأم وجه 33 / أ .